هشام جعيط

197

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وهذه ظاهرة مهمة جديرة بالعناية . لقد برزت هذه المدن من الداخل . وهي ترجمة عن عالم بلاد العرب الداخلي . وذلك خلافا لمدن العرب الأوائل في الخارج ، وللمدينة الحدودية الخاضعة للأجنبي مثل الحيرة ، وخلافا أيضا لمدن اليمن القديمة - شبوة وتمنع ومأرب وظفار وحتى نجران « 1 » - التي تلقحت بلقاح حضارة أخرى مغايرة تماما ، والتي عرفت كيف تسمو بتميزها تجاه العرب البدو . لكن يحتمل أن وضع صنعاء لم يكن على ذلك النحو ، وهي مدينة أخرى جديدة في اليمن الذي تم تعريبه منذئذ أو كان بصدد التعريب العميق ، مدينة تأكد دورها بقدوم الأحباش والفرس خاصة « 2 » ، وقد كانت موطنا لهمدان . مفهوم المدينة وواقعها في بلاد العرب حتى ولو قبلنا بتعايش المدينة مع شكل معين من الترحل ، في المدن النبطية والثموديه ، فإن مفهوم المدينة يفترض مسبقا التحضر . لكن التحضر في حد ذاته لا يفرز تلقائيا المدينة ، مع أن الإقامة والاستقرار ضمن سياق بلاد العرب المترحلة ، خارج اليمن ، ينزع إلى التحول إلى تجمع مدني أو شبه مدني . ولذا ، فالقول بأن التحضر في بلاد العرب خلال العصر الجاهلي كان متفوقا على الترحل كما فعل دونّر Donner « 3 » وأن الواقع المدني بقي هزيلا « 4 » يعادل التصريح بما هو تناقض كبير . الواقع أنه لا شك قط أن عدد الرحل كان يتجاوز الحضريين ، حتى لو أخذنا اليمن في الحساب ، كما يتبين ذلك من بنية الجيوش العربية الغازية « 5 » . والواقع من الوهم التفكير ، انطلاقا من تجربة لشام مع العرب الأوائل ، بأن بلاد العرب كانت متمدّنة أولا ثم غمرتها بعد قليل موجة « البدونة » . الواقع إذا

--> ( 1 ) المسعودي ، مروج الذهب ، ج 2 ، ص 211 ؛ ابن رسته ، الأعلاق ، ص 113 ؛ السيرة ، ص 23 ؛ الحديثي مرجع مذكور ، ص 46 ، 73 - 74 ؛ Strothmann , « San'a » , E . I . / 1 ; M . Rodinson , « Bilan des Etudes Mohammadiennes » , Revue Historique , pp . 180 - 181 , وانظر كذلك : « L'Arabie du Sud . chez les auteurs classiques » in L'Arabie du Sud , I , pp . 59 ff . ( 2 ) الرازي ، مرجع مذكور ، ص 537 ؛ السيرة ، ص 45 . ( 3 ) F . Donner , Ouvr . cit . , pp . 11 , 16 . ( 4 ) Ibid . , p . 15 . ( 5 ) انظر فيما يلي عرضا للقبائل التي حضرت وقعة القادسية . كانت تتعايش بالشام قضاعة واليمنيون والقيسيون : . Chaban , op . cit . , pp . 42 ff . كان اليمنيون في البداية خاصة العرب منهم ، كقبائل عك والسكون ومذحج ، يفوقون عددا القيسية الذين كانوا أوائل الفاتحين . ثم طرأت في فترة لاحقة هجرة قيسية قوية أدت إلى ظهور توازن في عدد الجماعتين . كان أكثر القادة في صفين من قيس بجيش معاوية : الطبري ، ج 5 ، ص 11 - 12 ؛ نصر بن مزاحم ، وقعة صفين ، ص 206 - 207 . وكانت جموع قيس بإمرة الضحاك في مرج راهط يعدون 60000 رجل ، وكانوا قطعا أكثر عددا من الجيش المقابل الذي اشتمل على جموع من غسان وكلب والسكون : البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 136 . ذكر ذلك رودنسون نقلا عن كاسكل . M . Rodinson , art . cit . , p . 190 . : ( Caskel )